01/08/2025
***** زيارات الشيخ عبد الحميد بن باديس إلى منطقة جيجل و ضواحيها (الميلية_ الجناح_جيجل) *****
على غرار كل مناطق القطر الجزائري ، عرفت منطقة جيجل زيارات عديدة لرئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ، الشيخ عبد الحميد بن باديس ، سواء بصفة شخصية ، او بصفته رئيسا للجمعية ، و ذلك منذ بداية العشرينيات من القرن الماضي .
كان بعضها بصفة شخصية كزيارته لبعض أصدقائه في مناسبات عائلية كزواج و غيرها ، و بعضها الاخر من أجل التدخل لحل مشكلات معينة ، فيما كان البعض الاخر للاشراف على أعمال الجمعية ، كوضع حجر الأساس او تدشين مسجد او مدرسة حرة ، او زيارات تفقدية عادية لنشر الحركة الإصلاحية و متابعة نشاطها في المنطقة .
*** زيارة ابن باديس إلى الميلية :
زار الشيخ عبد الحميد بن باديس مدينة الميلية يوم : الأحد فاتح محرم 1348ه ، الموافق ل : جوان1929م ، بدعوة من صديقه الوطني الغيور الطبيب ( الهتيهت محمد) و ذلك لحضور حفل زفاف اخيه ، و للاجتماع به ، و استفادة المنطقة من علمه ، و قد دامت الزيارة يومين كاملين .
و قد كتب تلميذه الفاضل محمود بن دويدة ملخصات عن هذه الزيارة في جريدة (الشهاب ) حيث كان حاضرا في هذه الزيارة (1) .
و قد حظي الشيخ ابن باديس خلال هذه الزيارة بالترحاب الكبير ، فلا تراه الا محاطا من الناس حيثما حل .
و في ليلة الثلاثاء رغب الناس من الاستاذ ابن باديس ان يلقي درسا عاما بالجامع الكبير بالميلية (2) ، الذي كان يشرف على امامته الشيخ (احمد بن دويدة ) ، و هو صديق قديم للشيخ ابن باديس(3) .
قدم الشيخ ابن باديس درسا مسجديا بديعا ، منطلقا من قوله تعالى : ( و اعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرقوا ..) ، فتحدث عن معنى الاعتصام بحبل الله ، و انه التمسك بالقرآن الكريم و بكل ما جاء به ، و ان المسلم ضعيف بنفسه قوي باخوانه ، ثم أشار إلى وجوب التسامح بين المذاهب ، و الاتفاق على الأصول ، و لا يضر الاختلاف في الفروع .
و قد علق الشيخ ( احمد بن دويدة) أمام المسجد الكبير بالميلية بعد نهاية الدرس بقوله : " ان الاستاذ باديس غرس اشجار الأخوة و الوئام في قلوب الناس ، فنرجو ان يصادف غرسه بلدا طيبا يخرج نباته حسنا " (4) .
ثم القى الشاعر محمود بن دويدة ( ابن أمام المسجد) ، كلمة في ختام الجلسة ، أثنى فيها على الشيخ ابن باديس ، و أكد فيها على أهمية الدروس المسجدية ، و الاختلاط بالامة في ماثمها و اعراسها و محلاتها و مساجدها ، لان السواد الاعظم هم عامة الناس ، و الذين نجدهم في هذه الأماكن ، و قد ختمها بقوله : " فجدير بنا ايها الاستاذ ان نسميك ( منقذ لغة يعرب بالقطر الجزائري ) (5) ،
و قد حضر الدرس حشد كبير من الناس ، و لاقى استحسانا كبيرا .
و في الغد عاد الشيخ ابن باديس إلى قسنطينة مقر اقامته .
*** زيارة ابن باديس إلى الميلية سرا :
ذكر الشيخ احمد حماني ، ان الشيخ محمد الصالح بن عتيق روى له : ان الشيخ عبد الحميد بن باديس كان _ بعد اعلان الحرب العالمية الثانية _ يتهيا للثورة ، و انه زاره سرا إلى الميلية ، و سأله عن مدى استعداد الشعب لها هناك ، فاجابه : " ان رجالنا رجال بارود " ، فامره بالاستعداد و الكتمان ، و لكن عاجلته المنية بعد ذلك (6) .
*** زيارة الشيخ ابن باديس إلى قرية الجناح :
و قد زار الشيخ عبد الحميد بن باديس بصفته رئيسا لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين ، منطقة ( الجناح) ، بدعوة من أعضاء الشعبة بها ، و على رأسهم تلميذه : محمد بوكعباش (7) ، و ذلك يوم :12 اكتوبر1937م ، في وفد من رجال الاصلاح ، يتكون من ( الشيخ عبد الحفيظ الجنان ، و الشيخ احمد بوشمال ، و الشيخ محمد بوكعباش ، و الشيخ عمر داود ، و الشيخ احمد مرحوم ) .
و كان الهدف من الزيارة هو الاشراف على تجديد شعبة جمعية العلماء بها ، و التي كان اشرف على تاسيسها الشيخ مبارك الميلي في السنة الماضية 1936م ، فوقع خلاف بين اعضاء الشعبة في طريقة عملها ، فتم عقد اجتماع لتجديدها ، و تم انتخاب أعضاء إدارة الشعبة طبقا لقانون الجمعية الأساسي ، و لا سيما ما تعلق بتاريخ الشعب ،(8).
وصل ابن باديس و رفاقه الى قرية الجناح على الساعة التاسعة صباحا ، و حظي بترحيب كبير ، حضر استقباله أعضاء العرش جميعا ، فجلس في المكان المخصص للدرس ، و القى عليهم درسا بليغا ، استغرق ساعة و نصف .
تناول الشيخ ابن باديس في درسه الحديث عن التوحيد و محاربة مظاهر الشرك في المجتمع ، و ضرورة ربط أواصر الأخوة بين الناس ، و عدم التفرق و التشتت ، بل ينبغي أن يكونوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا .
و قد أجاب على كثير من الأسئلة المطروحة ، حول كثير من البدع الغاشية بين القبائل ، و كان الرد عليها بالأدلة القاطعة من الايات القرآنية و الاحاديث النبوية ، و اعمال السلف الصالح (9) .
ثم أعلن عن الموافقة على تجديد شعبة الجمعية بالجناح ، و المصادقة على قاىمتها الاسمية ، و اوصاهم بالاتحاد و العمل و التاخي ، و بالصبر و الثبات و التواصل .
ثم افترق الجمع إلى اعمالهم المعتادة .
اما وفد الجمعية ، فقد كانوا في ضيافة عمدة الاصلاح بالمنطقة السيد محمود برمة و السيد عبد الوهاب بوكعباش ، تناولوا غذاءهم ، و قفلوا راجعين إلى مدينة قسنطينة.
*** زيارة ابن باديس إلى مدينة جيجل :
كما زار ابن باديس مدينة جيجل بمناسبة احتفال الجمعية المحلية لمدرسة الحياة برأس السنة الهجرية " ذكرى هجرة منقذ الإنسانية محمد صلى الله عليه وسلم " ، و هو أول احتفال للجمعية بعد تاسيسها مباشرة ،
و جهت الدعوات من طرف الجمعية المحلية لمدرسة الحياة إلى رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ، عبد الحميد بن باديس ، و إلى رجال الاصلاح بمنطقة جيجل و ضواحيها ، و كان ضمن المدعوين : الشيخ عبد اللطيف سلطاني من القرارم ، و محمد دريوش من الميلية ، و غيرهم .
و قد نشرت جريدة ( البصائر) ، بتاريخ :03 افريل1938م ، تقريرا مفصلا بعنوان " احتفال مدرسة الحياة بجيجل بعيد راس السنة الهجرية " ( ) .
و كان الاحتفال يوم الأربعاء : 30 ذو الحجة 1356ه ، الموافق ل: 03مارس1938م ، بقاعة ( سينما القلاصي) بوسط مدينة جيجل ،
خرج الاستاذ عبد الحميد بن باديس من مدينة قسنطينة بعد الظهر من يوم الأربعاء ، في سيارة خاصة يرافقه السيد بن خلاف ،
فمر على مدينة القرارم ليصحب الشيخ عبد اللطيف سلطاني ، ثم رافقه وفد من مصلحي الميلية متجهين إلى جيجل .
و كانت نقطة اللقاء هي دار بن خلاف بجيجل ، حيث حظي باستقبال كبير ، فصافح مستقبليه فردا فردا ، و شكر لهم احتفاءهم بالعلم و أهله.
و بعد تناول العشاء ، و اداء صلاة العشاء ب (دار بن خلاف) توجه الوفد إلى المكان المخصص للاحتفال بذكرى الهجرة النبوية الشريفة ، و هي ( سينما القلاصي) ، فوجدها غاصة بانصار النهضة الحديثة ، و محبي العلم .
و قد اشتمل الحفل على :
1_ تلاوة مباركة للقرآن الكريم ، (اية الهجرة من سورة النساء) ، تلاها الشيخ محمد الطاهر ساحلي معتمد جمعية العلماء بجيجل ، ثم رحب بالوافدين باسم جمعية مدرسة الحياة و باسم الجيجليين عموما ، و هناهم برأس السنة الهجرية (1357ه) .
2_ تم تقديم التلاميذ و التلميذات ، حيث قدموا نشاطات متنوعة( تجويد آيات بينات ، تلاوة جماعية لبعض سور القرآن الكريم ، القاءات ، اناشيد حماسية ) ،
و قد أثنى الحاضرون جميعا على التلاميذ و التلميذات ، و لا سيما التلميذة " كلثوم بنت الطاهر بوقردنة" ، التي ألقت خطابا شيقا ، في الترحيب بالسيد الرئيس عبد الحميد بن باديس ، خلبت النهى ، و امتلكت القلوب بفصاحة لسانها و شجاعتها الأدبية ، و حسن الالقاء على صغر سنها ، و ما ختمت خطابها حتى دوت القاعة بالتصفيق الحاد ، و مما قالته التلميذة ، بعد حمد الله و الصلاة على رسوله ، قالت و هي تخاطب ابن باديس:
" سيدي يا فخر الجزائر و الشمال الافريقي ، أتوجه إليك و السرور يغمرني من مفرقي إلى اخمصي ، محيية لك ، مرحبة بجنابك، مهنية لحضرتك بعيد راس السنة الهجرية ، كل ما اتمناه سيدي ان يحفظك الله للاسلام ، و العربية ، و الجزائر الباءسة الباكية ، من ذا الذي يثبت كالطود العظيم ؟ يناضل عن الحنيفية السمحة ، و يدعو إلى الصراط المستقيم ؟ من ذا الذي يجرؤ على الوقوف صارخا في وجه الظلم ، لا يخشى في الله لومة لاءم ؟ ام من ذا الذي يجهر بكلمة الحق ، و يؤثر الموت على الحياة في سبيل احياء الإسلام و العربية ؟ لا ، و سر القرآن ، ما أبصرت الجزائر مثلك عالما حلالا و سيدا عاملا بطلا " ،
و كانت كلمة ترحيبية رائعة، لم يشهد احد مثلها قط .
3_ ثم تقدم الشيخ عبد اللطيف سلطاني ، فالقى على مسامع الحاضرين كلمة في بيان معنى الحديث الشريف : " المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده ، و المهاجر من هجر ما نهى الله عنه " .
ثم شكر اهل جيجل على عنايتهم بالاسلام و العروبة .
4_ ثم أعتلى المنصة الشيخ الرئيس عبد الحميد بن باديس، فارتجل خطابات نفيسا راىعا ، الهب في النفوس نار الغيرة على الإسلام ، و العربية و الجزائر ، ناجى الارواح بما تفهمه ، و خاطب العقول بما كانت عنه في ذهول .
كما خص التلميذة " كلثوم بوقردنة " المرحبة بجنابه ، بالثناء و الإعجاب ، حتى انه قال عنها:
" لو لم يكن لي من جزاء على عملي الا ما سمعت من هذه الفتية لكفاني " .
و إليكم مقتطفات مما قال الشيخ ابن باديس و هو يتحدث عن الجزائر ، و تاريخها المجيد ، قال :
" ان تاريخنا مكتوب بحروف من نور ، و حروف من نار ، فلا النور يمحى، و لا النار تنطفىء " ، ثم قال : " انه ليس لدي عدو الا من كان عدوا للاسلام و العربية و الجزائر ، فمن كان صديقا لهؤلاء فهو صديقي ، و من كان عدوا لهؤلاء فهو عدوي ، احاربه آخر الدهر " .
و قد ختم الشيخ ابن باديس خطابه بين عواصف التصفيق الحاد ، و الهتاف بحياته ، و حياة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
و خرج الناس من قاعة ( سينما القلاصي) ، و ألسنتهم شاكرة لجمعية مدرسة الحياة التي كانت السبب في احياء هذه المناسبة المباركة .
و خرج الاستاذ بمعية أعيان جيجل ، حيث توجه إلى مقر اقامته في حدود منتصف الليل ،
و في الغد ( الخميس) واصل مسيرته متجها إلى بجاية ، رفقة الشيخ عبد اللطيف سلطاني ، و السيد فرحات خلفاوي .
*** زيارة ابن باديس إلى مدينة جيجل :
كما زار الشيخ عبد الحميد بن باديس مدينة جيجل لوضع حجر الأساس لبناء " مدرسة الحياة بجيجل " ،
و قد جاء أمر بناء هذه المدرسة كضرورة ملحة ، نظرا لعدم استيعاب القسم الوحيد للاقبال الكبير عليه من التلاميذ ، فتاسست _ بتشجيع من الشيخ محمد الطاهر ساحلي رئيس الشعبة_ الجمعية المحلية لمدرسة الحياة ، و تعهدت على بناء مدرسة كبيرة تليق بهذه المدينة المحافظة ، فقامت بشراء قطعة أرض في موقع جميل ، و أزالت ما عليها من خرابات و بيوت حقيرة ، لتقام عليها مدرسة جديد اختير لها اسم ( مدرسة الحياة) (10).
و في شهر افريل تقرر توجيه دعوة إلى رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لزيارة مدينة جيجل ، و ذلك من طرف الشيخ محمد الطاهر ساحلي رئيس شعبة الجمعية بجيجل ، و كذا الجمعية المحلية للمدرسة ، تحت إشراف رئيسها السيد المسعود بن خلاف ، و الذين قرروا ان يكون الاحتفال بهذا اليوم ، و ان يكون الواضع لحجر الأساس هو الاستاذ الرئيس عبد الحميد بن باديس ، و كانت الدعوة (تليفونيا ) فلبى الدعوة بحينه من غير مماطلة .
و قد كتب السيد مقيدش محمد ، ملخصا عن هذه الزيارة في جريدة البصائر لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ، في العدد : 168 ، بتاريخ : 03جوان1939م ، ص: 08 ،(11) .
ففي يوم الأحد: 24 ربيع الاول1358ه ، الموافق ل: 15 ماي1939م ، حل بمدينة جيجل وفد الشيخ الرئيس عبد الحميد بن باديس ، و المتكون من ( الشيخ محمد الصالح بن عتيق ، و السيد مصطفى بن جيكو ، و السيد حسونة بن علي خوجة ) ، و قد خرج لاستقبالهم خارج المدينة الشيخ محمد الطاهر ساحلي ، و الشيخ خلفاوي فرحات نائب رئيس جمعية مدرسة الحياة .
و قد وصل الوفد إلى موضع الاحتفال ، في حدود الساعة السابعة صباحا ، فوجد الأمة الجيجلية في انتظاره ، و حفت به جماهير الحاضرين .
تقدم الشيخ ابن باديس ، فقرا بعض آيات الذكر الحكيم ، ثم تقدم بعبارات الشكر و العرفان لأعضاء جمعية مدرسة الحياة خاصة ، و لأهالي مدينة جيجل بصفة عامة على ما قاموا به محبة للعلم و الدين و الوطن .
ثم قرأ فاتحة الكتاب ، فكان ختام كلامه مسكا (12).
ثم نزل الشيخ عبد الحميد بن باديس إلى الأساس ، و وضع الحجر الأول لهذا المعقل ( معقل العروبة و الإسلام ) ، و لم يكتف الاستاذ بوضع حجر الأساس ، با شارك في العمل معهم حتى منع من ذلك .
و قد شارك في العمل اهل جيجل جميعا صغارهم و كبارهم ، و بناتهم و ذكرهم ، كما تبرعوا باموالهم لبناء هذا الصرح العظيم ، و لسان حالهم يقول :
نبني كما كانت اواىلنا *** تبني و نفعل مثلما فعلوا .
و قد استغرق بناء المدرسة اكثر من عام ، بنت خلاله الجمعية المحلية الدور الأرضي فقط ، فيما تولى بناء الطابق الأول المحسن الكبير ( الطاهر بن خلاف ) ، و كان الأمل ان يشرف الشيخ ابن باديس على افتتاح المدرسة ، و لكن ارادة الله كانت أسبق ، إذ انتقل الى جوار ربه في : 16 افريل1940م .
و قد افتتحت المدرسة في نفس العام 1940م ، و عين الشيخ محمد الطاهر ساحلي مديرا لها ، فاقبل التلاميذ على المدرسة زرافات و وحدانا ، و ازدهرت المدرسة ، و احدتث ثورة تعليمية بجيجل .
# اعداد الاستاذ مسعود بولجويجة
باحث في التاريخ و التراث المحلي