04/06/2026
بعد مئة سنة، ربما يتذكرك أحفادك.
بعد مئتي سنة، ربما تُذكر في نقاش عابرٍ يجريه شخصٌ مهتمٌ بأسلافه.
بعد ثلاثمئة سنة، تذوي ملامح ذكراك كأنك لم تطأ وجه الخليقة يوماً.
وبعد أربعمئة سنة وما تلاها، يُمحى الأثر تماماً، فلا يبقى ذكرٌ لك ولا لسلالتك.
بأخذ هذا المنظور الحتمي بعين الاعتبار، ستنظر إلى الحياة بتواضع أكبر؛ سيهدأ تضخم الأنا الداخلي في صدرك، وهمومك ومشاكلك الحالية، وخوفك من ركام المجتمع ونظرته إليك، ورهبتك من خوض التجارب.. كلها ستذوب في نهر الزمن لـتتحول إلى عدم؛ عدمٍ مرعبٍ ومريب، لكنه مطمئنٌ للغاية ،إن مشاكلك الكبرى ما هي إلا ذرات هباء في دورة هذا الكون العظيم، وحين تدرك ذلك، ستهون عليك الأمور.
لكن..من رحم هذا العدم المحتوم، تنبت في الذهن فكرة مغايرة: إن التاريخ لا يخلد المستقرين؛ لا يذكر العاديين ولا يلتفت لمن آثروا السلامة.
عندما نفتح سجلات الماضي، سنجد أسماءً تتكرر بانتظام -قلة قليلون- نعرف من خلالهم معنى العظمة، سواء تجلت في طغيان مدمّر أو إحسانٍ معجز.
التاريخ يمر عابراً بمن كان عادياً، لكنه يتوقف إجلالاً لمن لمس طموحه عنان السماء، وحلّق مع النسور في الأعالي.
ومن هنا يتضح: أن أي طموحٍ لا يبلغ حدّ "اللاعقلانية" ولا يستند إلى إرادة فولاذية، هو طموح محكوم بالفناء.
نعم، لا عقلانياً ومشبعاً بالهوس! والمصاديق تفوق الحصر؛ خذ كوبرنيكوس، كريستوفر كولومبوس، نيكولا تسلا، نبوخذ نصر، أو الإسكندر الأكبر.. كل أولئك خرقوا سقف العقلانية في عصورهم، ولم يخلّد التاريخ الأصوات التي ذمتهم أو استهزأت بجموحهم، لأن تلك الأصوات كانت مجرد صدى للمألوف السائد، والمألوف يطويه النسيان.
وفي ختام القول: إن كان مبتغاك أن يخلّدك التاريخ، فاعتنق اللاعقلانية الصلبة ولا تلتفت لمحيطك. وإن كان مرادك حياةً طبيعية هادئة ووديعة، فعشها كاملةً ولا تلتفت لمحيطك أيضاً.
ففي كلا المسارين، كل ما تراه عيناك زائل في نهر الزمن الجارف.. فـلِمَ الهمُّ؟