مهدي يبحث عن الحرية

مهدي يبحث عن الحرية رحلة البحث تستمر ولن تتوقف.

بعد مئة سنة، ربما يتذكرك أحفادك. بعد مئتي سنة، ربما تُذكر في نقاش عابرٍ يجريه شخصٌ مهتمٌ بأسلافه.بعد ثلاثمئة سنة، تذوي م...
04/06/2026

بعد مئة سنة، ربما يتذكرك أحفادك.
بعد مئتي سنة، ربما تُذكر في نقاش عابرٍ يجريه شخصٌ مهتمٌ بأسلافه.
بعد ثلاثمئة سنة، تذوي ملامح ذكراك كأنك لم تطأ وجه الخليقة يوماً.
وبعد أربعمئة سنة وما تلاها، يُمحى الأثر تماماً، فلا يبقى ذكرٌ لك ولا لسلالتك.

بأخذ هذا المنظور الحتمي بعين الاعتبار، ستنظر إلى الحياة بتواضع أكبر؛ سيهدأ تضخم الأنا الداخلي في صدرك، وهمومك ومشاكلك الحالية، وخوفك من ركام المجتمع ونظرته إليك، ورهبتك من خوض التجارب.. كلها ستذوب في نهر الزمن لـتتحول إلى عدم؛ عدمٍ مرعبٍ ومريب، لكنه مطمئنٌ للغاية ،إن مشاكلك الكبرى ما هي إلا ذرات هباء في دورة هذا الكون العظيم، وحين تدرك ذلك، ستهون عليك الأمور.

لكن..من رحم هذا العدم المحتوم، تنبت في الذهن فكرة مغايرة: إن التاريخ لا يخلد المستقرين؛ لا يذكر العاديين ولا يلتفت لمن آثروا السلامة.
عندما نفتح سجلات الماضي، سنجد أسماءً تتكرر بانتظام -قلة قليلون- نعرف من خلالهم معنى العظمة، سواء تجلت في طغيان مدمّر أو إحسانٍ معجز.

التاريخ يمر عابراً بمن كان عادياً، لكنه يتوقف إجلالاً لمن لمس طموحه عنان السماء، وحلّق مع النسور في الأعالي.
ومن هنا يتضح: أن أي طموحٍ لا يبلغ حدّ "اللاعقلانية" ولا يستند إلى إرادة فولاذية، هو طموح محكوم بالفناء.
نعم، لا عقلانياً ومشبعاً بالهوس! والمصاديق تفوق الحصر؛ خذ كوبرنيكوس، كريستوفر كولومبوس، نيكولا تسلا، نبوخذ نصر، أو الإسكندر الأكبر.. كل أولئك خرقوا سقف العقلانية في عصورهم، ولم يخلّد التاريخ الأصوات التي ذمتهم أو استهزأت بجموحهم، لأن تلك الأصوات كانت مجرد صدى للمألوف السائد، والمألوف يطويه النسيان.

وفي ختام القول: إن كان مبتغاك أن يخلّدك التاريخ، فاعتنق اللاعقلانية الصلبة ولا تلتفت لمحيطك. وإن كان مرادك حياةً طبيعية هادئة ووديعة، فعشها كاملةً ولا تلتفت لمحيطك أيضاً.
ففي كلا المسارين، كل ما تراه عيناك زائل في نهر الزمن الجارف.. فـلِمَ الهمُّ؟

04/06/2026

على الرغم من إدراكه أن الوقت يركض أسرع منه، وقف أمام المرآة يصفف شعره ويرتب ملبسه؛ فهو لا يحب أن يخرج بمظهرٍ أقل من رائع.

قالت أمُّ وسيمٍ بغضب:

ـ وسيم، أما زلت هنا؟ إن تكرر منك هذا، سيعفونك من العمل.

ابتسم محاولًا تهدئتها، ومرر المشط بين خصلات شعره للمرة الأخيرة:

ـ وكيف أخرج دون أن أصفف شعري بالمشط الذي أحضرته لي أمي، ها؟

خرج مسرعًا إلى عمله، مستقلًا إحدى سيارات النقل الشعبي.

وحين ركب السيارة، مرّت في خلده صورة الفتاة التي استوطنت تفكيره منذ أشهر، فارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة حاول إخفاءها عن الجالسين قربه.

لم يكن قد نام جيدًا الليلة الماضية؛ فقد أمضى ساعاتٍ طويلة يدرس للبكالوريا القادمة ، كان يريد دخول أفضل جامعة في البلاد، وكان يرى نفسه هناك كلما أرهقه السهر.

وصل إلى العمل وما تزال تلك الابتسامة عالقة على وجهه.

قال صاحب العمل مستغربًا:

ـ اليوم على غير عادتك يا بني، هل حدث شيء؟

أجاب وسيم معتذرًا:

ـ كلا يا عم، لا شيء ، نمت متأخرًا البارحة لا أكثر.

بدأ يوم عمله في مخبز العم فلاح؛ كان خبازًا ماهرًا، يخرج الخبز من التنور طريًا ودافئًا،كان العم فلاح يراقبه برضا، وربما بشيءٍ من الحنين؛ فمنذ غياب ابنه، صار المخبز هادئا اكثر مما ينبغي .

عند العاشرة ليلًا، كان وسيم نائمًا بعد يومٍ طويل، استيقظ في منتصف الليل بسبب الاصوات في الخارج فشرب رشفة من الماء وعاد الى فراشه الدافئ.

في صباح اليوم التالي، وبعد إفطاره مع والدته ودعائها المعتاد له، اتجه نحو المخبز بخطواتٍ أسرع من عادته.

وما إن وصل حتى توقفت خطواته لوهلة ؛ كانت هناك.

الفتاة ذاتها التي بات حضورها يربك تعابيره الواضحة .

تعبث بطرف وشاحها وهي تنظر إلى الواجهة الزجاجية للمحل منتظرةً افتتاحه ، قبل أن تلتفت نحوه.

قالت بخجل:

ـ أأنت تعمل هنا؟

توقف لثوانٍ قصيرة، ثم أجاب وقد توزعت نظراته بين الباب والأرض ووجهها:

ـ نعم...هنا أعمل.

أخرج المفتاح من جيبه على عجل، لكنه سقط من يده دون أن ينتبه.
التقطت الفتاة المفتاح قبله، وظلت تنظر إليه وهو يفتش جيوبه محاولًا فتح القفل.

ثم قالت، وقد غلبتها ابتسامة صغيرة:

ـ أظن أنك تبحث عن هذا.

رفع رأسه إليها، ثم إلى المفتاح في يدها، فضحك بخجل:

ـ يبدو أنني ما زلت نائمًا.

ناولته المفتاح، والتقت عيناهما للحظة أطول مما ينبغي، فأشاحت بنظرها سريعًا.

فتح باب المخبز أخيرًا، ثم التفت إليها:

ـ تفضلي.

قالت بصوتٍ أخفض من السابق:

ـ رغيفين من الخبز، رجاءً.

ناولها الخبز، وما إن مدت يدها لتأخذه حتى قال دون تفكير:

ـ أهلًا بكِ دائمًا.

ابتسمت وهي تأخذ الخبز.

ـ يبدو أنني سأضطر للعودة إذًا.

كان يومه مرسوم في حينها فاتم عملة على اكمل وجه ، و عند عودته الى المنزل؛

استقبلته امه بابتسامتها الحنونة قائلة :

- بني وسيم ، استبدل ثيابك وتعال لنتعشى ، اليوم أعددت الحساء الذي تحبه.

وسيم فرحا :

- حقًا امي ، لا احتاج الى تغيير ملابسي لنتعشى اولا.

لكنها اصرّت كعادتها .

استلقى على فراشه تلك الليلة على غير المعتاد قبل العاشرة.

تحضر للنوم وهو يفكر في مستقبله و في تلك الفتاة التي قالت انها ستعود مجددا.

بالرغم من زيادة الازعاج بسبب الاصوات الخارجية ، حدد منبه الهاتف على الساعة الخامسة والنصف ثم نام .

لم يستيقض بعدها...

هناك مقولة مشهورة ، أن الرصاصة التي تقتلك لا تسمع صوتها ، لكن السؤال هنا : هل وسيم سمع صوت الصاروخ في حينها ؟...

Address

Baghdad

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when مهدي يبحث عن الحرية posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Shortcuts

Share