08/08/2022
محطة طبربور
قد لاقى مبنى محطة الباص السريع التردد عند تقاطع طارق في طبربور العديد من الانتقادات. سمي بالمركبة الفضائية، وقد يستحق الحصول على جائزة المدينة لابشع مبنى عام. اعتقد راح يصير العكس!
قبل الخوض في التفاصيل، لا تستطيع ان تقارن تصميم مبنى عام مع تصميم مبنى خاص كفيلا او اسكان. كذلك لا نقارن مبنى لمجمع باصات من تصميم "زهى حديد" مع هذا المبنى. وهنالك فرق بين النقد المعماري والنقد الهندسي ونقد التصميم الحضري. وقبل تصميم اي فضاء عام يجب ان يتم عرضه لعامة الشعب ومناقشته ضمن ورش عمل تضم: مخططين، رجال اعمال، ممثلين عن القطاع الخاص، ممثلين عن الحي.
كانت وما زالت مشكلة مشروع الباص السريع التردد في علاقة المشروع مع النسيج الحضري للمدينة. حتى المباني والفضاءات العامه التي بنيت من محطات للباص او مواقف وتفاعلها مع الانسان لا تعطي اهمية لتلك العلاقه. فالتصميم يجب ان يكون للإنسان اولا واخرا وليس للباص او السياره. كأي تصميم لشارع. فيجب ان يصمم حول الانسان وبناء فضاءات حضرية يتفاعل معها. من رصيف وفضاء عام وساحات ومباني سواءا تجارية او حكومية او سكنية.
هذا لا نراه في عمان. ولا المشاريع الحديثه. لا في مشروع الباص السريع التردد، ولا في تصميم اي شارع او تقاطع داخل المدينة.
عمان ينقصها فراغات حضرية تفاعلية مترابطة مع بعضها بارصفة تخدم المواطن للتفاعل معها حتى يمشي، يركب دراجته الهوائية، او يستعمل المواصلات البديلة من قطار ان وجد، او باص سواءا سريع التردد او باص عمان.
هنا اصل المشكلة. لان صاحب القرار او المخطط يفكر بتكييف الشارع مع الآله (السياره او الباص) فيصمم جسر او نفق او اشارة او محطة باص لخدمة الآله وليس لخدمة المواطن الذي فقد انتمائه للمكان فهو بعيد عن المدينة ولا يتفاعل مع تفاصيلها. معتقدا ان الحل في الشارع والتقاطع ونسي ان المشكلة في التخطيط اولا والتصميم ثانيا ومن ثم التنفيذ واخيرا الاداره.
ايضا، هنالك مشكلة اخرى. هذا المشروع تحديدا له عدة جوانب. نراه كمشروع حضري اولا ومن ثم مشروع معماري ومن ثم هندسي واخيرا مشروع معماري داخلي. وللأسف يتم الخلط بينهم.
من ناحية هندسية، أظهر إمكانيات المهندس الاردني وكوادره سواءا في تصميم البينة التحتيه او الانشائية او في التنفيذ وهذا له تقييم مختلف. وليس موضوعنا. ولم يتم انتقاده سواءا الشركة المصممه للبنية التحتيه وهي شركة دار العمران او الشركة المنفذه وهي حدادينكو. كلاهما من افضل الشركات، إذا لم يكن افضلهم، في مجال عملهم. لكن للاسف، قد اختلطت الاراء لعدم فهم هذا الجانب الهندسي الذي يختلف عن الجانب التخطيطي او المعماري.
من ناحية التصميم الحضري، كما قلت منذ بدء مشروع الباص السريع التردد يوجد مشكلة في علاقته مع النسيج الحضري وعلاقة البناء مع البيئة المحيطه. وحتى نعطي رأينا بالتفصيل تحتاج دراسات. وسبق ان طلبنا هذه الدراسات لكنها على ما يبدوا غير موجوده. فقسم التصميم الحضري غير موجود اصلا. ويتم الاستعانه بقسم الحدائق وقسم المرور عند تصميم اي فضاء حضري. وضح نيكولاس نوفا في كتابه "البيئة المستجابة" صفات للبيئة المستجابه تهدف إلى تعظيم درجة الاختيار المتاحة للمستخدمين النهائيين لبيئة مبنية من خلال تقديم سبع سمات للتصميم الحضري: النفاذية والتنوع والوضوح والقوة والملاءمة البصرية والثراء والتخصيص.
ومن ناحية معمارية، فحجم الكتله وتفاصيلها الخارجية والمواد المستخدمة في الأكساء من لون سكني (ربما المنيوم او ستانلس) وقبه زجاجيه قد أعطت مبنى غريب باهت وغير مقبول بصريا. ولا نتكلم عن استخدام الحجر ولكن اللون والمواد. والكتله ونسبها مقابل الفتحات. والمداخل والمخارج والممرات وعلاقتها مع البيئة المحيطه.
واخيرا، التصميم الداخلي، لا يوجد تفاصيل واضحه لكن مما توفر من صور فالفضاء الداخلي بدائي واشبه بهنجر ارتفاعه شاهق، غير انساني، وبعيد عن الجودة والرفاهية للمستخدم وكأنه في رحله فضائيه او زيارة إلى مصنع او اقرب الى سجن. بالاضافه إلى المواد المستخدمه من بلاط لميع وتوزيع الاناره الداخليه، وافتقاده لاي عنصر طبيعي من اشجار ومياه او حتى تصميم جرافيكي حيوي يعزز التجربه.
كانت وما زالت العماره شيء والهندسة شيء لكن للآسف عندنا المعماري كل شيء. هو المخطط والمصمم والمهندس والمقاول. اي مشروع معماري يسبقه قرار وتشريعات حضرية تنظيمية من مخططين. ثم يبدأ التصميم المعماري ليتم دراسته لاحقا هندسيا. فليس من الضرورة ان يكون المعماري مهندسا. واي مشروع قد يكون ناجح معماريا لكنه فاشل هندسيا او العكس.
نحتاج إلى تطوير التشريعات وتحديث القوانين ولكن قبل كل شيء اعادة تعريف من هو المخطط الحضري ومن هو المصمم الحضري ومن هو المصمم المعماري ومن هو المصمم الداخلي ومن هو المهندس ومن هو المقاول.
لست متفائلا باي تغيير على المدى القريب ولكن الاستمرار في هذه الفوضى يؤثر سلبا على حياة المواطن واقتصاد المدينة ومستقبلنا.
الحل يأتي من اعلى سلطة في نظام الحكم لوضع يدها على تخطيط المدينة وعمارتها. من هنا تبنى المدن وتدار. فالحكومات تأتي وتذهب والاقتصاد بطلع وبنزل. اما المدن فتبقى لتبرز ازدهار المدن او فشلها.
#معمار