19/08/2026
قطار سريع لتونس… لماذا لا نبني المستقبل بدل ترقيع الماضي؟
عودة الحديث رسمياً عن مشروع القطار فائق السرعة والممر الحديدي الذي يربط شمال تونس بجنوبها فرصة يجب ألا نضيّعها في نقاش ضيق حول سؤال واحد: هل تحتاج تونس إلى TGV بسرعة 250 أو 300 كلم/ساعة؟
السؤال الأهم في رأيي هو:
بما أننا سنتحدث عن خط جديد وبنية تحتية جديدة واستثمار بعشرات المليارات، فلماذا لا نصمم المشروع منذ البداية وفق حاجيات تونس الاقتصادية والاجتماعية والترابية الحقيقية؟
رئاسة الحكومة وضعت بالفعل مشروع القطار فائق السرعة والممر الحديدي عالي الأداء ضمن المشاريع الاستراتيجية لمخطط 2026-2030، وربطت إنجاز المشاريع الكبرى صراحة بتحفيز الاستثمار وخلق مواطن الشغل والنمو الاقتصادي. كما أن المسار النهائي لم يُحسم بعد، إذ ما تزال دراسات الجدوى والهندسة الأولية هي التي ستحدد الاختيارات التقنية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية. (Portail de la Présidence du Gouvernement)
وهذا بالذات يفتح باب النقاش.
لماذا 160 كلم/ساعة قد تكون أكثر ذكاءً من 250 كلم/ساعة؟
تونس ليست فرنسا ولا الصين. مسافاتنا محدودة، ومدننا الرئيسية متقاربة نسبياً، ومواردنا المالية محدودة، وحاجتنا ليست إلى تحطيم أرقام قياسية في السرعة بقدر حاجتنا إلى قطار سريع، منتظم، آمن، مريح وقادر على نقل الأشخاص والبضائع بكفاءة.
لذلك يمكن التفكير في شبكة جديدة مصممة لسرعة في حدود 160 كلم/ساعة أو أكثر بحسب المقاطع، بدل القفز مباشرة إلى مواصفات TGV ثقيلة الكلفة.
فحتى الشبكة الحالية تكشف حجم المشكلة: تونس تمتلك نحو 2170 كلم من الخطوط، لكن 1571 كلم من الشبكة المستغلة أحادية السكة، و226 كلم فقط مزدوجة، كما أن 1701 كلم من الشبكة ذات مقياس متري. (SNCFT)
أي أن المشكلة ليست فقط في القطار، وإنما في البنية التحتية نفسها.
ومن هنا يمكن تحويل المشروع من شراء قطارات سريعة إلى مشروع وطني لإعادة بناء السكك الحديدية التونسية.
طبرقة – تونس – القيروان – قابس – رأس جدير
أقترح أن تُدرس بجدية فكرة محور جديد:
طبرقة → تونس → القيروان → قابس → مدنين → بن قردان → رأس جدير.
وليس اختيار هذه المدن اعتباطياً.
فطبرقة تفتح تونس على الشمال الغربي وعلى إمكانية الربط مستقبلاً بالشبكة الجزائرية. وتونس هي القلب الاقتصادي والإداري. والقيروان تمنح المشروع بعداً تنموياً جديداً تماماً، لأنها تسمح بإدخال وسط البلاد إلى شبكة النقل السريع بدل إعادة تركيز كل شيء على الشريط الساحلي.
ثم ينزل الخط نحو قابس، ومنها إلى مدنين وبن قردان ورأس جدير، فيتحول إلى بوابة حديدية باتجاه ليبيا.
والفكرة ليست بعيدة عن التصورات الرسمية نفسها: المشروع الترانسمغاربي المبرمج يتحدث عن 840 كلم داخل تونس، تشمل رأس جدير–قابس، قابس–تونس–بنزرت، وتونس–طبرقة. (IGPPP)
الاختلاف الذي أقترحه يتعلق أساساً بالفلسفة والمسار والأولوية: لماذا لا نستغل الخط الجديد لإدماج القيروان والداخل التونسي بدلاً من مضاعفة محور ساحلي تونس–سوسة–صفاقس الذي توجد عليه سكة حديدية أصلاً؟ فالـSNCFT تشغّل اليوم محور تونس–سوسة–صفاقس–قابس، إلى جانب خطوط تونس–الكاف وتونس–جندوبة وغيرها. (SNCFT)
عندما نبني خطاً جديداً، نحن لا نبني سكة فقط
هذه النقطة في نظري هي الأهم.
مشروع بهذا الحجم يعني آلاف مواطن الشغل المباشرة وغير المباشرة على مدى سنوات: دراسات هندسية، مسح طوبوغرافي، أشغال ترابية، جسور ومنشآت فنية، سكك، خرسانة، حديد، محطات، كهرباء، اتصالات، إشارات، صيانة، نقل ولوجستيك.
ثم تأتي الوظائف الدائمة بعد دخول الشبكة حيز الاستغلال: سائقون، تقنيون، مهندسون، صيانة، أمن، إدارة محطات، خدمات تجارية ولوجستية.
والأهم أن نسبة معتبرة من هذه الأعمال يمكن إنجازها بمؤسسات ويد عاملة ومواد تونسية.
وهنا يصبح الإنفاق الاستثماري مختلفاً جذرياً عن إنفاق الدولة على الاستهلاك.
الدينار الذي تدفعه الدولة لشركة أشغال تونسية يصبح أجوراً ومشتريات وأرباحاً، وجزء منه يعود إلى خزينة الدولة في شكل ضرائب وأداءات ومساهمات اجتماعية، بينما يستمر في الدوران داخل الاقتصاد.
وفي نهاية الأشغال لا تكون الأموال قد اختفت: الدولة تكون قد حولتها إلى أصل عمومي جديد يخدم البلاد لعقود.
والأهم: المشروع يخلق اقتصاداً حول السكة
القيمة الحقيقية للقطار لا توجد داخل القطار وحده.
حول محطات طبرقة والقيروان وقابس ومدنين وبن قردان يمكن إنشاء مناطق لوجستية وصناعية وتجارية جديدة.
وهنا تبدأ الحلقة الاقتصادية الإيجابية:
سكة حديدية → استثمار → مواطن شغل → مؤسسات جديدة → حركة تجارية → موارد جبائية → تنمية جهوية.
وقد يصبح القطار وسيلة لإعادة توزيع الاستثمار والسكان والأنشطة الاقتصادية، وليس مجرد وسيلة لنقل المسافرين.
فالمستثمر الذي يعرف أن القيروان مثلاً أصبحت مرتبطة بالعاصمة والجنوب بخط سريع وموثوق سيعيد حساباته بشأن مكان إقامة مصنعه أو مركزه اللوجستي.
وهكذا تتحول البنية التحتية إلى سياسة فعلية للتمييز الإيجابي بين الجهات.
لماذا نكرر الموجود؟
التصور المنشور للمشروع الترانسمغاربي يقدّر كلفة 840 كلم بحوالي 26 مليار دينار: 2.6 مليار لرأس جدير–قابس، و14 ملياراً لقابس–تونس–بنزرت، و9.4 مليارات لتونس–طبرقة. كما يقترح بالنسبة إلى رأس جدير–قابس خطاً مزدوجاً مكهرباً بسرعة قصوى تصل إلى 250 كلم/ساعة للمسافرين. (IGPPP)
هذه أرقام ضخمة بالنسبة إلى اقتصاد بحجم الاقتصاد التونسي.
ولذلك يجب أن نسأل قبل الالتزام بها:
هل نريد أغلى قطار ممكن، أم أكبر عائد اقتصادي وتنموي ممكن لكل دينار نستثمره؟
إذا كانت سرعة 160 كلم/ساعة تسمح بخفض كلفة البنية التحتية والمعدات والصيانة والطاقة مقارنة بخط TGV كامل المواصفات، فلماذا لا ندرس هذا السيناريو بجدية، خاصة عندما تكون المسافات التونسية محدودة؟
ويمكن الاحتفاظ منذ التصميم بإمكانية رفع السرعة مستقبلاً على بعض المقاطع إلى 200 أو 250 كلم/ساعة عندما يبرر حجم المسافرين والنشاط الاقتصادي ذلك.
قطار سريع… ولكن قبل كل شيء مشروع دولة
أنا مع القطار السريع، بل أعتبر أن تونس تأخرت كثيراً في تحديث سككها الحديدية.
لكن المشروع يجب ألا يتحول إلى مشروع استعراضي باهظ الثمن.
نريده مشروعاً اقتصادياً واجتماعياً وصناعياً وتنموياً.
نريد أن تشتغل فيه شركاتنا ومهندسونا وتقنيونا وعمالنا.
نريد أن تُصنع أكبر نسبة ممكنة من مكوناته محلياً.
نريد أن يربط الجهات التي حُرمت طويلاً من الاستثمار.
نريد أن يخلق حول محطاته مناطق اقتصادية جديدة.
ونريد أن يكون قابلاً للربط غرباً بالجزائر وشرقاً وجنوباً بليبيا، حتى تصبح تونس فعلاً عقدة لوجستية بين المغرب العربي والمتوسط وإفريقيا.
طبرقة – تونس – القيروان – قابس – رأس جدير يمكن أن يكون أكثر من خط قطار.
يمكن أن يصبح محوراً جديداً للتنمية التونسية من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي.
وعندما يتعلق الأمر بخط جديد، وبنية تحتية جديدة، ومليارات ستُستثمر، وآلاف مواطن الشغل الممكن خلقها، فإن المطلوب ليس أن نسأل فقط: كم ستكون سرعة القطار؟
بل أن نسأل:
كم من تونسي سيعمل في بنائه؟ كم مؤسسة تونسية ستشارك فيه؟ كم منطقة سيُخرجها من العزلة؟ كم استثماراً سيجلبه؟ وكم قيمة مضافة سيتركها داخل الاقتصاد الوطني؟
هكذا تُقاس المشاريع الكبرى.
ليس بسرعة القطار وحدها… بل بالسرعة التي تدفع بها البلاد كلها إلى الأمام