02/03/2026
أفكارٌ بسيطةٌ غيرَ مُلزمةٍ لأحَدْ ..
----------------------------
تدور هذه المرة حول التفكير بالعلاقة الغامضة بين
"البراغماتية" و" الفوضى الخلاقة" :
- للوهلة الأولى، قد يبدو الربط بين البراغماتية والفوضى الإبداعية مغامرة فكرية غامضة بالنسبة للبعض ، أو تفسيرا محفوفا بالمخاطر..
لكن تأملي - المُرتبك بعض الشيء- ، فيما يجري من تغيرات استراتيجية عالمية،
هو الذي دفعني للتوقف عند هذه الأمر ، والتفكير ملياً ، فيما إذا كان هناك حقاً صلة ما بينهما.
- في البداية ، البراغماتية (الفلسفة العملية) والفوضى الخلاقة ،
كلاهما ينطلق من منظور مشترك، ينظر إلى الواقع على أنه حال قابل للتغيير وإعادة التشكيل دائماً، وكلاهما يُعطي الأولوية للنتائج على المبادئ المُسبقة..
- لكن يتمايزان في أن البراغماتية - كما نعلم - تقاس فيها قيمة الفكرة ، و بمدى قدرتها على التطبيق في الحياة اليومية، والنجاح في الواقع ، لهذا نقول عن الحقيقة في "البراغماتية " أنها ليست جوهرا ثابتاً بل هي عملية مستمرة تُختبر باستمرار ، وتتغير على الدوام.
أما الفوضى الخلاقة ، فهي رؤية اجتماعية سياسية نشطة، تنظر إلى زعزعة الاستقرار (في بلد أو مجتمع أو ..) كوسيلة أو آداة ، وذلك لإعادة ترتيب المشهد السياسي لخدمة جهات فاعلة ـ وتحقيق أهداف قد تكون مُحددة مسبقاً، أو تطورات متوقعة احياناً .
- على الرغم من هذا التشابه المنهجي بينهما، لكن لا يمكن أن نتغاضى عن اختلافهما الأخلاقي العميق أيضاً.
فالبراغماتية، في جوهرها، مشروع إصلاحي ، ينبع من داخل المجتمع ويعتمد على التجربة المشتركة لتحسين الحياة ، و ظروف المعيشة والسعي الى النماء الافضل. بمعنى إنها فلسفة تراهن على الإنسانية وقدرتها على التعلم والتطور.
بينما في المقابل، نجد الفوضى الخلاقة عبارة عن فعالية ماكرة ، تُمارَسْ من خارج المجتمعات التي تُطبق عليها .. و تعتمد - في حدوثها ، على تفكيك البنى المستقرة ، و القائمة في تلك الدول او المجتمعات ، بهدف اختبار بنية جديدة للواقع فيها ، أو دفعها إلى خلق احوال جديدة ، تلاءم القوى الأقوى والأعلم ، وبالتالي إعادة ترتيبها قسراً .
بمعنى آخر : ان المذهب البراغماتي يسعى دوما إلى إيجاد حلول عملية ناجعة و ناجحة ، بينما تخلق الفوضى الإبداعية مشاكل مبتكرة عمداً ، لإعادة ترتيبها، وفقا لمصالح أصحاب السلطة الفاعلة والفئات القادرة على السيطرة والتحكم .
وهنا يتأتى السؤال الجوهري في ذهني :
هل يمكن لنهج يُعطي الأولوية لـ"النتائج" على "المبادئ" أن يظل إنسانياً، إذا ما انفصل عن سياقه الأخلاقي..؟
طبعاً انا لا أدري الإجابة تماماً، لكني أرى أن التأمل في مثل هذا التشابه ضروري حداً،
وذلك لفهم كيف تُستعار لغة الفلسفة، من اجل تبرير استراتيجيات سياسية جهنمية، قد تُعرض للعالم على أنها "واقعية"، بينما هي في جوهرها ، مجرد مشاريع نفع وقسر وسيطرة ، تهدف لإعادة تشكيل العالم على نحو ما ، وعلى حساب استقرار بعض الأمم المتأخرة ..
قصارى القول:
نعم البراغماتية" في جوهرها، فلسفة لتحسين الحياة ، لكن ما يسمى بـ الفوضى الخلاقة، هي - في تقديري - مشروع لإعادة ترتيبها قسراً.
وعليه ارى ان المسافة بينهما لا يجب ان تُقاس بالمنهجية ، بل بالضمير.
والضمير الاخلاقي بالتحديد له حديث آخر مختلف، في عالم المال والقوة والسياسة.
zakariakurdi